الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

130

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سيأتي وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى [ المائدة : 82 ] . ولا شكّ أنّ الآية نزلت بعد غزوة تبوك أو قربها ، وقد أصبح المسلمون مجاورين تخوم بلاد نصارى العرب . وعن السدّي أنّ بعض المسلمين بعد يوم أحد عزم أن يوالي يهوديا ، وأنّ آخر عزم أن يوالي نصرانيا كما سيأتي ، فيكون ذكر النّصارى غير إدماج . وعقّبه بقوله : بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي أنّهم أجدر بولاية بعضهم بعضا ، أي بولاية كلّ فريق منهم بعض أهل فريقه ، لأنّ كلّ فريق منهم تتقارب أفراده في الأخلاق والأعمال فيسهل الوفاق بينهم ، وليس المعنى أنّ اليهود أولياء النّصارى . وتنوين بَعْضٍ تنوين عوض ، أي أولياء بعضهم . وهذا كناية عن نفي موالاتهم المؤمنين وعن نهي المؤمنين عن موالاة فريق منهما . والولاية هنا ولاية المودّة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث ، ولذلك لم يقل مالك بتوريث اليهودي من النّصراني والعكس أخذا بقول النّبيء صلى اللّه عليه وسلّم لا يتوارث أهل ملّتين . وقال الشّافعي وأبو حنيفة بتوريث بعض أهل الملل من بعض ورأيا الكفر ملّة واحدة أخذا بظاهر هذه الآية ، وهو مذهب داود . وقوله : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ، ( من ) شرطيّة تقتضي أنّ كلّ من يتولّاهم يصير واحدا منهم . جعل ولايتهم موجبة كون المتولّي منهم ، وهذا بظاهره يقتضي أنّ ولايتهم دخول في ملّتهم ، لأنّ معنى البعضية هنا لا يستقيم إلّا بالكون في دينهم . ولمّا كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتّبع الرسول ولم ينافق كان مسلما لا محالة كانت الآية بحاجة إلى التأويل ، وقد تأوّلها المفسّرون بأحد تأويلين : إمّا بحمل الولاية في قوله : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ على الولاية الكاملة الّتي هي الرّضى بدينهم والطعن في دين الإسلام ، ولذلك قال ابن عطيّة : ومن تولّاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النّار . وأمّا بتأويل قوله : فَإِنَّهُ مِنْهُمْ على التشبيه البليغ ، أي فهو كواحد منهم في استحقاق العذاب . قال ابن عطيّة : من تولّاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت والمذمّة الواقعة عليهم اه . وهذا الإجمال في قوله : فَإِنَّهُ مِنْهُمْ مبالغة في التّحذير من موالاتهم في وقت نزول الآية ، فاللّه لم يرض من المسلمين يومئذ بأن يتولّوا اليهود والنّصارى ، لأنّ ذلك يلبسهم بالمنافقين ، وقد كان أمر المسلمين يومئذ في حيرة إذ كان حولهم المنافقون وضعفاء المسلمين واليهود والمشركون فكان من المتعيّن لحفظ الجامعة التّجرّد عن كلّ ما تتطرّق منه الرّيبة إليهم .